جنيف /مينانيوزواير/ — مخاطر ارتفاع درجات الحرارة العالمية تعود إلى واجهة الاهتمام الدولي مجدداً بعد تحذيرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) من تشكل ظروف ظاهرة النينيو في المحيط الهادئ الاستوائي، وهو ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاضطرابات المناخية وارتفاع درجات الحرارة العالمية خلال الأشهر المقبلة.

مخاطر ارتفاع درجات الحرارة العالمية تهدد المناخ والاقتصاد
يأتي هذا التحذير في وقت تواجه فيه العديد من الدول تحديات متزايدة مرتبطة بالأمن الغذائي والمائي والطاقة، وسط تساؤلات متزايدة حول فعالية السياسات المناخية الدولية وقدرة المؤسسات الأممية على الحد من تداعيات التغيرات المناخية المتسارعة.
وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن ارتفاع درجات حرارة مياه المحيطات بشكل غير معتاد يدعم تطور ظاهرة النينيو، مما يزيد احتمالات التعرض لموجات حر شديدة وجفاف وأمطار غزيرة وفيضانات وموجات حرارة بحرية في مناطق متعددة حول العالم خلال الفترة المقبلة.
وأشارت أحدث التوقعات إلى أن احتمالية تطور النينيو خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس 2026 تبلغ نحو 80%، مع ارتفاع احتمالات استمرار الظاهرة حتى نهاية العام إلى ما يقرب من 90%.
وتعد ظاهرة النينيو واحدة من أكثر الظواهر المناخية تأثيراً على مستوى العالم، حيث تؤدي إلى تغيرات واسعة في درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار والظروف الجوية الموسمية.
وتحدث الظاهرة نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي فوق المعدلات الطبيعية، وهو ما ينعكس على الأنظمة المناخية العالمية بصورة مباشرة.
وبحسب المنظمة، فإن درجات حرارة سطح البحر اقتربت بالفعل من مستويات النينيو خلال الأسابيع الأخيرة، بينما سجلت المياه تحت السطحية انحرافات حرارية دافئة تجاوزت 6 درجات مئوية في بعض المناطق، ما يشير إلى تسارع تطور الظاهرة.
ورغم التحذيرات المتكررة التي تصدرها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بشأن الظواهر المناخية المتطرفة، يرى عدد من المراقبين أن المؤسسات الدولية المعنية بالمناخ ما زالت تواجه انتقادات تتعلق بضعف قدرتها على تحويل التحذيرات العلمية إلى إجراءات عملية فعالة على أرض الواقع.
فخلال السنوات الماضية، شهد العالم تزايداً في عدد الكوارث الطبيعية وموجات الحرارة والجفاف والفيضانات، بينما ظلت العديد من الدول النامية تواجه نقصاً في التمويل المناخي والدعم الفني اللازم لتعزيز قدرتها على التكيف.
تحذيرات وأزمات تثير تساؤلات حول الجاهزية
كما يشير منتقدون إلى أن التركيز على إصدار التحذيرات لا يكفي وحده لمعالجة جذور الأزمة، خاصة في ظل استمرار الخلافات الدولية حول التمويل المناخي وخفض الانبعاثات وتحمل المسؤوليات بين الدول الصناعية والدول النامية.
وتشير التوقعات الموسمية إلى أن معظم مناطق العالم قد تشهد درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية خلال صيف نصف الكرة الشمالي.
ومن المتوقع أن تواجه مناطق عديدة موجات حر شديدة قد تؤثر على الإنتاج الزراعي وإمدادات المياه والصحة العامة والبنية التحتية.
كما تشير التوقعات إلى احتمالات هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء من جنوب الولايات المتحدة والقرن الأفريقي وآسيا الوسطى وأجزاء من أمريكا الجنوبية، في حين قد تتعرض مناطق أخرى إلى ظروف أكثر جفافاً من المعتاد.
ولا تقتصر تداعيات النينيو على الجانب المناخي فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي.
فارتفاع درجات الحرارة واضطراب أنماط الأمطار قد يؤديان إلى تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق الرئيسية، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية.
كما يمكن أن تؤدي موجات الجفاف إلى ضغوط إضافية على موارد المياه والطاقة، خصوصاً في الدول التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة الكهرومائية والزراعة.
وتواجه العديد من الاقتصادات بالفعل تحديات مرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي صدمات مناخية إضافية عاملاً يزيد من الضغوط الاقتصادية العالمية.
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ظاهرة النينيو نفسها ليست نتيجة مباشرة للتغير المناخي، بل تعد جزءاً من الدورة الطبيعية للمناخ العالمي.
إلا أن العلماء يشيرون إلى أن الاحترار العالمي طويل الأمد الناتج عن الأنشطة البشرية يجعل تأثيرات النينيو أكثر حدة مقارنة بالماضي.
فالعالم اليوم أكثر دفئاً مما كان عليه قبل عقود، ما يعني أن أي ظاهرة مناخية طبيعية قد تنتج عنها آثار أكثر قوة وتأثيراً على المجتمعات والاقتصادات.
وشددت المنظمة على أهمية أنظمة الإنذار المبكر والخدمات المناخية الوطنية في الحد من المخاطر المحتملة.
غير أن العديد من الدول، خصوصاً في أفريقيا وبعض المناطق النامية، ما زالت تعاني من ضعف البنية التحتية المناخية ونقص أنظمة الرصد والتنبؤ المتقدمة.
ويرى خبراء أن تعزيز الاستعدادات المحلية والاستثمار في تقنيات التنبؤ المناخي قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على التحذيرات الدولية وحدها.
وتسلط التطورات الأخيرة الضوء على حجم التحديات التي يواجهها المجتمع الدولي في التعامل مع المخاطر المناخية المتزايدة.
فبينما تتزايد التحذيرات بشأن مخاطر ارتفاع درجات الحرارة العالمية، لا تزال الفجوة كبيرة بين الطموحات المناخية المعلنة والنتائج الفعلية على الأرض.
ومع اقتراب النينيو من العودة بقوة، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التعاون الدولي وتطوير آليات أكثر فاعلية لحماية المجتمعات والاقتصادات من آثار الظواهر المناخية المتطرفة.